مقدّمة الشرح وترجمة الإمام الطحاوي
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونصلي ونسلم على رسوله الأمين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين وعلى صحابته الغر الميامين، أما بعد:
فإن شرف العلم يعرف بشرف المعلوم، وعلم أصول الدين هو أشرف العلوم، وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، لأنه لا حياة حقيقية للقلوب، ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه.
ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل، فاقتضت رحمته أن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين ولمن أجابهم مبشرين ولمن خالفهم منذرين، وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ولقد سمى الله سبحانه وتعالى ما أنزل على رسوله روحاً لتوقف الحياة الحقيقية عليه وسماه نوراً لتوقف الهداية عليه قال تعالى: "وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور" .
فالواجب اتِّباع المرسلين وما أنزله الله إليهم وقد ختم الله المرسلين بمحمد صلى الله عليه وسلم فجعله آخر الأنبياء وجعل كتابه مهيمناً على ما سبقه من الكتب السماوية، وأكمل له ولأمته الدين قال تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً
وأرسل الله تبارك وتعالى رسوله محمداً بالهدى ودين الحق، فلا هدى إلا فيما جاء به. ولا يقبل الله من الأولين ولا من الآخرين دينا إلا ما أرسل به رسله عليهم السلام وقد نزه الله تعالى نفسه عما يصفه العباد إلا ما وصفه به المرسلون قال تعالى: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين " فنزه نفسه عما يصفه به الكافرون، ثم سلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب، ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد.
وقد بلَّغ الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين وأوضح الحجة للمستبصرين وسلك سبيله خير القرون ثم خلف من بعدهم خلف اتبعوا أهواءهم وافترقوا وذلك أنه كلما بعد عهد الناس عن زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ظهرت البدع وكثر التحريف الذي سماه أهله تأويلا ليقبل فاحتاج المؤمنون بعد ذلك إلى إيضاح الحق، فقيَّض الله سبحانه وتعالى عباداً له يذبون عن دينه كل باطل. وأقام الله لهذه الأمة من يحفظ عليها أصول دينها، كما أخبر الصادق صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس. أخرجه البخاري ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة
وممن قام بهذا الحق من علماء المسلمين الإمام أبو جعفر الطحاوي أحمد بن محمد ابن سلامة الأزدي رحمه الله تعالى فبين عقيدة السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وذلك في رسالة مختصرة عرفت بعد ذلك باسم العقيدة الطحاوية، وقد جعل الله لها القبول فانتشرت وعم خيرها.
الإمام أبو جعفر الطحاوي في سطور:
قال الإمام الذهبي: الإمام العلامة الحافظ الكبير، محدث الديار المصرية وفقيهها، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي مولده سنة 239 وقد تتلمذ الإمام الطحاوي على يد كثير من العلماء ورحل في طلب العلم حتى بلغ عدد شيوخه 372 شيخاً وكان أشهرهم: الإمام النسائي صاحب السنن، إسماعيل بن يحيى المزني، عبد الله بن أبي داود السجستاني، محمد بن أحمد أبو بشر الدولابي، علي بن عبد العزيز البغوي، وتتلمذ عليه الكثيرون.
كان الإمام الطحاوي يدرس على يد إسماعيل بن يحيى المزني، فحصل أن استصعب عليه فهم مسألة ما، فغضب المزني منه وقال: والله لا تفلح أبداً. فتركه الطحاوي وصار يدرس على يد أبي جعفر بن أبي عمران واجتهد في طلب العلم حتى برز فيه وفاق أقرانه، وصار علما يسافر الناس إليه لينهلوا من علمه، وصنَّف مختصراً في الفقه، ومرَّ يوماً بقبر شيخه المزني فقال: يرحمك الله يا أبا إبراهيم، أما لو كنت حيَّاً لكفَّرت عن يمينك.
وفي هذه القصة يظهر الأدب الجم من الإمام الطحاوي تجاه شيخه المزني، مع ما كان منه تجاهه وذلك أنه لم ينس إحسانه إليه في تعليمه العلم.