|
بداية حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وإمام المرسلين سيدنا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الحديث عن سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبعث في النفس الحياة، ويعيد لها الأمل، وذلك أن من يقرأ سيرة سيد المرسلين يقرأ الدعوة إلى الحق، والصبر فيها، ولها، ويقرأ الحلم والأخلاق المتميزة، والعبادة الكاملة، والبذل والجهاد، إنه يقرأ الحياة كلها، يقرأ الحياة التي ينبغي أن يعيشها المسلم، وسنحاول من خلال هذه الدروس التعرف على حياة سيدنا وإمامنا وقدوتنا رسولنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
اسمه ونسبه صلى الله عليه وآله وسلم
عمرو الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف سُنتْْ إليه الرحلتان كلاهما سفر الشتاء ورحلة الأصياف
وكان لهاشم ولدان أحدهما عبد المطلب والثاني أسد وعبد المطلب لقب (بفتح اللام والقاف) كذلك واسمه شيبة الحمد وإنما لقب بعبد المطلب لأنه كان عند أخواله بني النجار في المدينة لما توفي والده وذلك أن هاشماً كان متزوجاً من بني النجار من أهل المدينة وترك ولده شيبة الحمد عند أخواله ومات هاشم وشيبة الحمد ولده عند أخواله وبعد موته ذهب المطلب أخو هاشم وعم شيبة الحمد إلى المدينة وأتى بابن أخيه ليكون عند أعمامه فلما دخل به مكة ظن أهل مكة أنه عبد اشتراه المطلب فقالوا: هذا عبد المطلب فقال لهم المطلب: لا، إنما هو ابن أخي هاشم ولكن غلب عليه ذلك اللقب وصار لا يسمى إلا بعبد المطلب.
إذا مات الفرزدق فارجموه كرجمكم لقبر أبي رغال لا يغلبنّ صليبهم ومحالهم ،،،،، غدواً محالك إن كنت تاركهم وقبلتنا ،،،،، فأمر ما بدا لك ولادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ثبت عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنه قال: يوم الاثنين يوم ولدت فيه. في شهر ربيع الأول على المشهور امتن الله تبارك وتعالى على البشرية بولادة سيد المرسلين وإمام المتقين وقائد الغر المحجّلين، وذلك بعد حادثة الفيل بأشهر في مكة المكرمة، وولد يتيم الأب وذلك أن أباه مات وأمه حامل به، وكانت ولادته صلوات الله وسلامه عليه ولادة معتادة لم يتمكن المؤرخون كما يذكر أهل العلم من تحديد يوم مولده وشهره على وجه الدقة، أما يوم المولد من أيام الأسبوع فهو يوم الاثنين كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ولكن في أي اثنين الله أعلم. قيل في التاسع من ربيع الأول، وقيل في الثاني عشر وقيل غير ذلك وقيل في رمضان ولكن المشهور أنه في الثاني عشر من ربيع الأول. وتحديد يوم ميلاده صلوات الله وسلامه عليه لا يرتبط فيه شيء من الناحية الشرعية وأما ما يقوم به كثير من الناس في كثير من بلاد المسلمين من الاحتفال بيوم مولد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه عمل غير صالح، وذلك لأمور منها:
لما ولد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أرضعته أول ما أرضعته ثويبة وهي مولاة عمه أبي لهب وكانت قد أرضعت قبل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عمه حمزة ولذلك حمزة رضي الله عنه يكون أخاً للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الرضاعة أمهما جميعاً ثويبة مولاة أبي لهب. ولم يدم هذا الأمر طويلاً وذلك أنه كان من عادة العرب أنهم يلتمسون المراضع لأولادهم أي المرضعات فكان العرب يحبون أن تأتي المرضعة من خارج مكة فتأخذ الوليد فترضعه لمدة سنتين ثمّ تفطمه وتعيده إلى أمه. ونترك حليمة السعدية تذكر لنا قصتها مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تقول حليمة السعدية إنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعاء، وذلك في سنة شهباء لم تبق لنا شيئاً، (والشهباء يعني لا زرع ولا ماء)، فخرجت على أتان لي قمراء، (الأتان هو الحمار والقمراء يعني بيضاء)، معنا شارف لنا، (والشارف هي الناقة) والله ما تبض بقطرة، (يعني ما فيها حليب أبداً)، وما ننام ليلنا أجمع من صبيّنا الذي معنا من بكائه من الجوع، والله ما في ثديي ما يغنيه وما في شارفنا ما يغذيه، ولكن كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منّا امرأة إلاّ وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتأباه وذلك إذا قيل لها إنه يتيم وذلك أن كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنّا نقول يتيم وما عسى أن تصنع أمه وجدّه فكنّا نكرهه لذلك. فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعاً غيري فلمّا أجمعنا الانطلاق (يعني عزمنا على الرجوع) قلت لصاحبي أي زوجها والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعاً والله لأذهبنّ إلى ذلك اليتيم فلآخذنه قال: لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل فيه بركة. سبحان الله، (هذه المسكينة حليمة السعدية لا تدري أن الخير والبركة كلها عند هذا اليتيم صلوات الله وسلامه عليه ). فرجعت إليه فأخذته وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره فلمّا أخذته رجعت به إلى رحلي فلمّا وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتى روي وشرب معه أخوه (أي ولدها) حتى روي ثمّ ناما، وما كنّا ننام معه قبل ذلك من بكاء الولد، وقام زوجي إلى شارفنا تلك (أي الناقة) فإذا هي حافل أي مملوءة لبنا، فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا رياً وشبعاً، فبتنا بخير ليلة، فقال لي صاحبي (أي زوجها) حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة. فقلت: والله إني لأرجو ذلك. ثمّ خرجنا وركبت أنا أتاني وحملته عليها معي، (أي حملت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حمرهم (أي سبقتهم في المسير) حتى إن صواحبي ليقلن لي يا ابنة أبي ذؤيب ويحك أربعي علينا، (أي لا تسرعي)، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن بلى والله إنها لهي هي فيقلن والله إن لها شأناً، ثمّ قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها، (يعني قاحلة ليس فيها زرع ولا ماء)، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا بها معنا شباعاً لبنا، فنحلب ونشرب وما يحلب إنساناً قطرة لبن لأن الأرض جدباء ، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب فتروح أغنامهم جياعاً ما تبض بقطرة لبن وتروح غنمي شباعاً لبنا، فلم نزل نتعرف من الله زيادة والخير حتى مضت سنة وفصلته، (أي فطمته)، وكان يشب شباباً لا يشبه الغلمان فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاماً جفراً ، (يعني قوياً)، فقدمنا به على أمه (لأن بينهم وبين أمه وعداً بعد سنتين يعيدان إليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته فكلمنا أمه وقلت لها لو تركت ابني عندي حتى يغلظ فإني أخشى عليه وباء مكة، فلم نزل بها حتى ردته معنا. (فهي لا تخشى عليه الوباء ولكنها تريده لما رأت من الخير عند مجيئه صلوات الله وسلامه عليه)، فما زلت بها حتى ردته معنا. طفولته: وهكذا بقي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بني سعد حتى إذا كانت السنة الرابعة من عمره أو الخامسة وقع حادث عجيب. وذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب واستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك ثمّ غسله أي القلب في طست من ذهب بماء زمزم ثمّ لأمه (أي أعاده إلى مكانه) وجاء الغلمان يسعون إلى أمّه ، أي حليمة، فقالوا إن محمداً قد قتل، لأنهم رأوا الملك جاء إليه وشق صدره وأخرج قلبه، فخرجت حليمة مع زوجها ينظرون إلى مقتل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فوجدوه قائماً صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكنه ممتقع اللون لأن هذا الأمر غريب بالنسبة إليه صلوات الله وسلامه عليه، وهذه آية من آيات الله تبارك وتعالى، والله جلّ وعلا على كل شيء قدير سبحانه وتعالى، عند ذلك خافت حليمة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فردته إلى أمه.
وفاة جدّه:
قبل البعثة: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تلك الفترة يرعى الغنم مقابل قراريط أي أموال قليلة لأهل مكة عن جابر قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمر الظهران، مكان قريب من مكة، ونحن نجني الكباث، (الكباث ثمر الأراك وهو السواك)، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: عليكم بالأسود منه قال: فقلنا يا رسول الله كأنك رعيت الغنم، قال: نعم، رواه الإمام مسلم في صحيحه. وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم فقال أصحابه: وأنت قال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة، رواه الإمام البخاري في صحيحه. قال أهل العلم لعل الحكمة من إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يتلقونه من القيام بأمر أمتهم في مخالطتها ، (أي الغنم)، ما يحصل لهم الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى ودفع عدوها عنها ألفوا من ذلك الصبر على الأمة وخصّ الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر. وبعد رعي الغنم اشتغل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالتجارة. زواجه: بلغ خديجة بنت خويلد ما وصف به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كريم الأخلاق والأمانة فبعثت إليه وعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام. وخديجة من أشراف قومها من بني مخزوم وأرسلت معه غلاماً لها يقال له ميسرة فوافق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخرج بمالها وتاجر لها ولما رجع إلى مكة أخبرها ميسرة بما وقع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كريم خلقه وحسن تعامله وما كانت من بركة وقعت له صلوات الله وسلامه عليه كل هذا جعلها تعجب به فتحدثت عن إعجابها به مع صديقاتها وكان ممن تحدثت معها صديقة لها يقال لها نفيسة فذهبت نفيسة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعرضت عليه أن يتزوج خديجة فقبل صلوات الله وسلامه عليه وذهب مع أعمامه إلى عم خديجة وتمّ الزواج. وكانت سنها على المشهور أربعين سنة وكان سن النبي صلوات الله وسلامه عليه الخامسة والعشرين. وقد أحبها النبي صلوات الله وسلامه عليه حباً شديداً ولم يتزوج عليها في حياتها أبداً. أولاده من خديجة: رزقه الله تبارك وتعالى من خديجة الولد فولدت له عبدالله والقاسم وفاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم رضي الله تبارك وتعالى عنهم أجمعين. إعادة بناء الكعبة: لما بلغ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الخامسة والثلاثين من عمره وقع أمر مهم وهو أن قريشاً قررت إعادة بناء الكعبة وذلك أن الكعبة قد تساقطت بعض حجارتها وكان قد جاءها سيل شديد أثر في بنيانها كثيراً، واختلفوا هل يرممون البيت أو يهدمونه من جديد؟ فمن قائل يهدم ويبنى من جديد ومن قائل بل يرمم وذلك أنهم خشوا إذا هدموا البيت أن يصابوا بأذى وذلك أن ما حدث لأبرهة قريب جداً وكثير منهم قد عاصروا ونظروا ما وقع لأبرهة وجيشه حين أردوا ذلك البيت المقدس عند الله تبارك وتعالى. فقام الوليد بن المغيرة وقال: والله لنهدمنّه ولنبنينّه من جديد فقالوا: إنّا نخاف أن نصاب بأذى فقال: وأي أذى وأنتم إنما أردتم الخير قالوا: فابدأ أنت قال: نعم فجاء الوليد إلى الكعبة ورفع الفأس وقال: اللهم لن ترع (يعني لا تخف يا رب لا نريـد إيذاءك وإنما نريد الخير وهذا لا شك يدل على جهلهم بالله تبارك وتعالى). فضرب ثمّ انتظر فلم يصب بأذى فقال: أيها الناس اهدموا فقالوا: لا، حتى تصبح وأنت سليم. قال: نعم فلما أصبح وإذ لم يصب بأذى فقاموا جميعاً فهدموا بيت الله الحرام. ولكنهم لما هدموا البيت وأرادوا إعادة بنائه قالوا: لا يدخل في بنائه إلا مال طيب فلا يقبل مال ربا ولا ميسر ولا مهر بغي ولا مال مسروق وهذا شيء عجيب هم على كفرهم يعرفون المال الحلال من المال الحرام . وقدّر الله أن المال الحلال الذي جمعوه كان قليلاً لم يكف لبناء الكعبة فبنوا الكعبة على ما هي عليه الآن ثمّ جعلوا هذا السور أو هذا القوس الذي نراه والذي يسميه كثير من الناس حجر (بكسر الحاء وتسكين الجيم) إسماعيل وليس لإسماعيل عليه الصلاة والسلام حجر. بل هو الحجر أو الجدر (بفتح الجيم وتسكين الدال) كما كان يسميه أهل مكة، وهذا الحجر ستة أذرع منه تعتبر من الكعبة (يعني نصفه تقريباً) ولذلك إذا أردنا أن نطوف حول الكعبة لا يجوز لنا أن نطوف من داخل الحجر لأننا مطالبون أن نطوف من حول الكعبة لا أن نطوف في الكعبة. وكان للكعبة بابان فجعلوا لها باباً واحداً وكان الباب ملاصقاً للأرض فرفعوه حتى يدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا وقد سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الجدر أمن البيت هو؟ قال: نعم. قالت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إنّ قومك قصّرت بهم النفقة، قالت: فما شأن بابه مرتفعاً؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ولولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه بالأرض، رواه الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحيهما. وذلك من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عين الحكمة إذ أن قريشاً ستقول انظروا إلى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدّعي أنه مرسل من الله أول ما فتح مكة هدم بيت الله ولذا رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الحكمة أن يؤخر هذا الأمر. ولكن هل تأخر هذا الأمر كثيراً؟ إنه لم يتأخر كثيرا وذلك أنهم في خلافة أمير المؤمنين عبدالله بن الزبير رضي الله تبارك وتعالى عنه سنة خمس وستين من هجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو سنة أربع وستين قام عبدالله بن الزبير فأدخل الحجر في الكعبة ووسع الكعبة وأطال بنيانها وأنزل الباب إلى الأرض وجعل للكعبة بابين كل ذلك كما أراده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رواه الإمام مسلم في صحيحه. قال عطاء: إن عبدالله بن الزبير جمع الناس فقال: يا أيها الناس أشيروا عليّ في الكعبة أنقضها ثمّ ابني بناءها أو أصلح ما وهي (بفتح الواو وكسر الهاء) منها فقال ابن عباس: فإني قد فرق ( بضم الفاء) لي رأي فيها أرى أن تصلح ما وهي منها، وتدع بيتاً أسلم الناس عليه وأحجاراً أسلم الناس عليها وبعث عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . فابن عباس كان رأيه أن تترك الكعبة ولا يدخل الحجر فيها وأن ترمم فقط فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدّه أي يجدده من جديد فكيف بيت ربكم إني مستخير ربي ثلاثاً ثمّ عازم على أمري فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد إليها أمر من السماء أيضاً خشوا أن يقع أمر من السماء إذا أراد أحد أن يهدم الكعبة. فصعد رجل وألقى من البيت حجارة فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا فنقضوا البيت حتى بلغوا به الأرض فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة رضي الله عنها تقول إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع ولجعلت لها باباً يدخل الناس منه وباباً يخرجون منه قال عبدالله بن الزبير: فأنا اليوم أجد ما أنفق ولست أخاف الناس قال: فزاد فيه خمسة أذرع كما أراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الحجر حتى أبدى أسّاً (بضم الألف) نظر الناس إليه (يعني الأساس) أساس إبراهيم عليه الصلاة والسلام فبنى عليه البناء وكان طول الكعبة ثماني عشر ذراعاً فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشرة أذرع فابن الزبير زادها طولاً وعرضاً رضي الله عنه وأرضاه وجعل للكعبة بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه فلما قتل (بضم القاف) ابن الزبير وذلك سنة ثلاث وسبعين من الهجرة على يد الحجاج بن يوسف الثقفي كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك (أي بما فعل ابن الزبير ببيت الله تبارك وتعالى) ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس (أي على أساس) نظر إليه العدول من أهل مكة فكتب إليه عبد الملك إنّا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء أما ما زاد من طوله فأقره (أي من ارتفاع الكعبة) وأما ما زاد فيه من الحجر فردّه إلى بنائه وسد الباب الذي فتحه. فنقضه وأعاده إلى بنائه. وهذا أمر عجيب عبدالله بن الزبير رضي الله عنه نفذ وصية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. عبدالملك بن مروان لما استخلف ظن أن عبدالله بن الزبير إنما زاد هذا من عند نفسه فأمر بنقضه وأعاد الكعبة كما كانت زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
... |